الثِّقة بالله

السَّلام عليكم ورحمة اللهِ وبركاته

لأنَّ الله  خالقنا، قال : ﴿سَبِّحِ اسمَ رَبِّكَ الأَعلَى ۝ الَّذي خَلَقَ فَسَوّى ۝ وَالَّذي قَدَّرَ فَهَدى الأعلى: ١٣

وهو سبحانه وتعالى يُدبِّر أمر جميع المخلوقات، قال : ﴿يُدَبِّرُ الأَمرَ السجدة: ٥

كان من حقِّ الله علينا أن نثق به ﷻ، وأن نتوكَّل عليه، وأن نستعين به، فالحياة مليئة بالعثرات والمصاعب الَّتي لن نستطيع مواجهتها بأنفسنا الضَّعيفة، قال : ﴿وَخُلِقَ الإِنسانُ ضَعيفًا النساء: ٢٨

ماذا تعني الثِّقة بالله؟

الثِّقة بالله عبادة قلبيَّة، تعني اليقين بأنَّ الله لا يخلف وعده وأنَّه على كُلِّ شيءٍ قدير، والإيمان بما أخبر به سبحانه وأنَّ ما قدَّره سوف يكون، قال : ﴿وَعدَ اللَّهِ لا يُخلِفُ اللَّهُ وَعدَهُ وَلكِنَّ أَكثَرَ النّاسِ لا يَعلَمونَ الروم: ٦، وقال : ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيءٍقَديرٌ البقرة: ٢٠

الثِّقة بالله تقوى الله في السِّرِّ والعلن، والتُّوكُّل عليه، والاستعانة به، وقال : ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجعَل لَهُ مَخرَجًا ۝ وَيَرزُقهُ مِنحَيثُ لا يَحتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّل عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسبُهُ الطلاق: ٢٣

قال ابن القيِّمرحمه الله:أي كافي مَن يثق به في نوائبه ومُهمَّاته، يكفيه كُلَّ ما أهمَّه، وكُلَّما كان العبد حسن الظَّنِّ باللهحسن الرَّجاء له، صادق التَّوكُّل عليه، فإنَّ الله لا يُخيِّب أمله فيه ألبتَّة؛ فإنَّه سبحانه لا يُخيِّب أمل آملٍ ولا يُضيِّع عمل عاملٍ،وعبَّر عن الثِّقة وحسن الظَّنِّ بالسِّعة؛ فإنَّه لا أشرح للصَّدر ولا أوسع له بعد الإيمان من ثقته بالله ورجائه له وحسن ظنِّه به“.

الثِّقة بالله الإيمان بأنَّ اختيار الله لنا خير من اختيارنا لأنفسنا، قال : ﴿وَعَسى أَن تَكرَهوا شَيئًا وَهُوَ خَيرٌ لَكُم وَعَسى أَن تُحِبّواشَيئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُم وَاللَّهُ يَعلَمُ وَأَنتُم لا تَعلَمونَ البقرة: ٢١٦

فوائد الثِّقة بالله:

  • الرِّضا عن الله.
  • طلب العون من الله.
  • تقوى الله في السِّرِّ والعلن.
  • حسن الظَّنِّ بالله، قال : «قال : أنا عند ظنِّ عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي،وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خيرٍ منهم، وإن تقرَّب إليَّ بشبرٍ تقرَّبت إليه ذراعًا، وإن تقرَّب إليَّ ذراعًا تقرَّبت إليه باعًا، وإنأتاني يمشي أتيته هرولةً». صحيح البخاري
  • الإيمان بقضاء الله وقدره، قال : «إنَّ أمر المؤمن كُلَّه خير، وليس ذلك إلَّا للمؤمن، إن أصابته سرَّاء فشكر كان خيرًا له، وإنأصابته ضرَّاء فصبر كان خيرًا له». مسند أحمد

قال الربيع:إنَّ الله تعالى قضى على نفسه أنَّ من آمن به هداه، وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿وَمَن يُؤمِن بِاللَّهِ يَهدِ قَلبَهُالتغابن: ١١، ومن توكَّل عليه كفاه، وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿وَمَن يَتَوَكَّل عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسبُهُ الطلاق: ٣، ومن أقرضهجازاه، وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿مَن ذَا الَّذي يُقرِضُ اللَّهَ قَرضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضعافًا كَثيرَةً البقرة: ٢٤٥، ومن استجارمن عذابه أجاره، وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿وَاعتَصِموا بِحَبلِ اللَّهِ جَميعًا آل عمران: ١٠٣، ومن دعاه أجابه، وتصديق ذلكفي كتاب الله: ﴿وَإِذا سَأَلَكَ عِبادي عَنّي فَإِنّي قَريبٌ أُجيبُ دَعوَةَ الدّاعِ إِذا دَعانِ البقرة: ١٨٦“.

نماذج من ثِقة الأنبياء بالله :

  • محمد :

عن أنس بن مالكرضي الله عنهقال: حدثني أبو بكرٍرضي الله عنهقال: كنت مع النَّبيِّ في الغار، فرأيت آثارالمشركين، قلت: يا رسول الله، لو أنَّ أحدهم رفع قدمه رآنا. قال: «ما ظنُّك باثنين الله ثالثهما؟». صحيح البخاري

وقال : ﴿إِلّا تَنصُروهُ فَقَد نَصَرَهُ اللَّهُ إِذ أَخرَجَهُ الَّذينَ كَفَروا ثانِيَ اثنَينِ إِذ هُما فِي الغارِ إِذ يَقولُ لِصاحِبِهِ لا تَحزَن إِنَّ اللَّهَ مَعَنافَأَنزَلَ اللَّهُ سَكينَتَهُ عَلَيهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنودٍ لَم تَرَوها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذينَ كَفَرُوا السُّفلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُليا وَاللَّهُ عَزيزٌ حَكيمٌالتوبة: ٤٠

  • موسىعليه السَّلام:

قال : ﴿فَلَمّا تَراءَى الجَمعانِ قالَ أَصحابُ موسى إِنّا لَمُدرَكونَ ۝ قالَ كَلّا إِنَّ مَعِيَ رَبّي سَيَهدينِ ۝ فَأَوحَينا إِلى موسى أَنِاضرِب بِعَصاكَ البَحرَ فَانفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرقٍ كَالطَّودِ العَظيمِ ۝ وَأَزلَفنا ثَمَّ الآخَرينَ ۝ وَأَنجَينا موسى وَمَن مَعَهُ أَجمَعينَ ۝ ثُمَّأَغرَقنَا الآخَرينَ الشعراء: ٦١٦٦

  • إبراهيمعليه السَّلام:

عن ابن عباسرضي الله عنهقال:كان آخر قول إبراهيم حين أُلقي في النَّار: حسبي الله ونعم الوكيل“. صحيح البخاري

فقال : ﴿قُلنا يا نارُ كوني بَردًا وَسَلامًا عَلى إِبراهيمَ الأنبياء: ٦٩

  • يونسعليه السَّلام:

قال : ﴿وَذَا النّونِ إِذ ذَهَبَ مُغاضِبًا فَظَنَّ أَن لَن نَقدِرَ عَلَيهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَن لا إِلهَ إِلّا أَنتَ سُبحانَكَ إِنّي كُنتُ مِنَالظّالِمينَ ۝ فَاستَجَبنا لَهُ وَنَجَّيناهُ مِنَ الغَمِّ وَكَذلِكَ نُنجِي المُؤمِنينَ الأنبياء: ٨٧٨٨

  • زكريَّاعليه السَّلام:

قال : ﴿وَزَكَرِيّا إِذ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرني فَردًا وَأَنتَ خَيرُ الوارِثينَ ۝ فَاستَجَبنا لَهُ وَوَهَبنا لَهُ يَحيى وَأَصلَحنا لَهُ زَوجَهُ إِنَّهُمكانوا يُسارِعونَ فِي الخَيراتِ وَيَدعونَنا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكانوا لَنا خاشِعينَ الأنبياء: ٨٩٩٠

كيف أُقوِّي ثقتي بالله ﷻ؟

بمعرفة الله ﷻ، والتَّقرُّب إليه، والإقبال عليه؛ ومِمَّا يعين على ذلك:

  • التَّفكُّر في أسماء الله وصفاته.
  • التَّأمُّل في مخلوقات الله.
  • الإيمان بقضاء الله وقدره، وأنَّ ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، قال : ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِيَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ التغابن: 11.
  • الدُّعاء، وسؤال الله اليقين، قال : «اللَّهُمَّ اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلِّغنا بهجنَّتك، ومن اليقين ما تهوِّن به علينا مصيبات الدُّنيا». سنن الترمذي
  • تلاوة كتاب الله وتدبُّر آياته.
  • كثرة ذكر الله.
  • قراءة قصص الأنبياء وما سخَّره الله لهم من معجزات.
  • ترويض النَّفس على الصَّبر.

خِتامًا؛ الثِّقة بالله لا تعني ترك العمل بأسباب التَّوفيق والفلاح، بل أن تُفوِّض أمرك إليه، وتُعلِّق قلبك به، وتتوكَّل عليه في أمرك كُلِّه، ثُمَّ تبذل ما في وسعك من أسباب التَّوفيق.

والسَّلام عليكم ورحمة اللهِ وبركاته

شروق المرحبي

One comment

  1. موضوع مشرق بالفعل ..
    ﴿وَمَن يَتَوَكَّل عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسبُهُ﴾

    إعجاب

ما رأيك بأن تكتب تعليقًا؟

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: